الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
72
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أن يقول في القرآن أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ وقد علمت ذلك عند تفسير قوله تعالى : وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ [ القلم : 10 ] . وكان الوليد بن المغيرة ذا سعة في المال كثير الأبناء وهو المعنيّ بقوله تعالى : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً وَبَنِينَ شُهُوداً إلى قوله : إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [ المدثر : 11 - 25 ] . والوجه أن لا يختص هذا الوصف به . وأن يكون تعريضا به . والأساطير : جمع أسطورة وهي القصة ، والأسطورة كلمة معربة عن الرومية كما تقدم عند قوله تعالى : يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ في الأنعام [ 25 ] وقوله : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ في سورة النحل [ 24 ] . وختمت الأوصاف المحذر عن إطاعة أصحابها بوصف التكذيب ليرجع إلى صفة التكذيب التي انتقل الأسلوب منها من قوله : فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ [ القلم : 8 ] . وقرأ الجمهور أَنْ كانَ ذا مالٍ بهمزة واحدة على أنه خبر . وقرأه حمزة وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر بهمزتين مخففتين فهو استفهام إنكاري . وقرأه ابن عامر بهمزة ومدّة بجعل الهمزة الثانية ألفا للتخفيف . [ 16 ] [ سورة القلم ( 68 ) : آية 16 ] سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ ( 16 ) استئناف بياني جوابا لسؤال ينشأ عن الصفات الذميمة التي وصفوا بها أن يسأل السامع : ما جزاء أصحاب هذه الأوصاف من اللّه على ما أتوه من القبائح والاجتراء على ربّهم . وضمير المفرد الغائب في قوله : سَنَسِمُهُ عائد إلى كل حلّاف باعتبار لفظه وإن كان معناه الجماعات فإفراد ضميره كإفراد ما أضيف إليه كُلَّ [ القلم : 10 ] من الصفات التي جاءت بحالة الإفراد . والمعنى : سنسم كل هؤلاء على الخراطيم ، وقد علمت آنفا أن ذلك تعريض بمعيّن بصفة قوله : أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [ القلم : 15 ] وبأنه ذو مال وبنين . و الْخُرْطُومِ : أريد به الأنف . والظاهر أن حقيقة الخرطوم الأنف المستطيل كأنف الفيل والخنزير ونحوهما من كل أنف مستطيل . وقد خلط أصحاب اللّغة في ذكر معانيه خلطا لم تتبين منه حقيقته من مجازه .